البغدادي

140

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

فأنا أحبّ أن تعفيني من الخروج معك ، ولكن هذه خيل لي معدّة وأدلّاء من أصحابي ، وهذه فرسي « المحلّقة « 1 » » فاركبها ، فوالله ما طلبت عليها شيئا قطّ إلّا أدركته ، ولا طلبني أحد إلا فتّه ! فاركبها حتّى تلحق بمأمنك ، وأنا لك بالعيالات حتّى أؤدّيهم إليك أو أموت وأصحابي عن آخرهم ؛ وأنا كما تعلم إذا دخلت في أمر لم يضمني فيه أحد . قال الحسين : أفهذه نصيحة لنا منك يا ابن الحرّ ؟ قال : نعم والله الذي لا فوقه شيء ! فقال له الحسين : إني سأنصح لك كما نصحت لي ، إن استطعت أن لا تسمع صراخنا ولا تشهد وقعتنا فافعل ؛ فوالله لا يسمع داعيتنا أحد لا ينصرنا إلّا أكبّه الله في نار جهنّم ! ثم خرج الحسين من عنده ، وعليه جبّة خزّ وكساء وقلنسوة مورّدة « قال : ثم أعدت النظر إلى لحيته فقلت : أسواد ما أرى أم خضاب ؟ قال : يا ابن الحرّ عجّل على الشيب . فعرفت أنه خضاب » وخرج عبيد الله بن الحرّ حتّى أتى منزله على شاطئ الفرات فنزله . وخرج الحسين رضي الله عنه فأصيب بكربلاء ومن معه ، وأقبل ابن الحرّ بعد ذلك فمرّ بهم ، فلما وقف عليهم بكى . ثم أقبل حتى دخل الكوفة ؛ فدخل على عبيد الله بن زياد بعد ثالثة ، وكان أشراف الناس يدخلون عليه ويتفقّدهم - فلمّا رأى ابن الحرّ قال له : أين كنت ! قال : كنت مريضا . قال : مريض القلب أم مريض الجسد « 2 » ؟ قال : أمّا قلبي فلم يمرض قطّ ، وأما جسدي فقد منّ الله تعالى عليّ بالعافية . قال : قد أبطلت ! ولكنّك كنت مع عدوّنا . قال : لو كنت مع عدوّك لم يخف مكاني . قال : أمّا معنا فلم تكن ! قال : لقد كان ذاك . ثم استغفل ابن زياد والناس عنده فانسلّ منه ثم خرج فنزل المدائن ، وقال : لئن استطعت أن لا أرى له وجها لأفعلنّ ؛ ورثى الحسين وأصحابه الذين قتلوا معه بالشعر المتقدّم « 3 » ، وبقوله : ( الطويل )

--> ( 1 ) أسماء الخيل للغندجاني ص 220 ؛ والقاموس ( حلق ) . وفيه : " . . وكمعظمة : فرس عبيد الله بن الحر " . ( 2 ) في تاريخ الطبري 6 / 270 : " مريض القلب أو مريض البدن " . ( 3 ) في حاشية الطبعة السلفية 2 / 138 : " في مقتل أبي مخنف كما ذكرنا . وهو المأخذ الذي أخذ منه السكري في اللصوص إلا أنه ليس في الرثاء ، وإنما أنشده في قعوده عن نصرة الحسين بعد أن سار إلى كربلاء ، وفارقه . غير أن الأبيات الميمية ليست له البتة ، وإنما هي للحرّ بن يزيد الرياحي كما هو عند أبي مخنف 45 . فلا أدري هل هذا الوهم من أبي سعيد أو من نساخ كتابه ، أو من البغدادي . وفي الخبر أيضا اختلاف ، وذلك أن حسينا لما رأى جدّ القتال استصرخ واحدا من أصحابه إلى أن استنجد الحر فقدم ولده فاستشهد بعد أن أبلى بلاء حسنا ، ثم استأذن -